جلس في غرفة أضيق من وطن يحكمه العسكر ، قرص مفتاح المذياع ليستمع إلى ثرثرة المذيع…هزائم… جرحى.. قتلى.
"مــا زال الواقع يلقمنا ذات الأدوار، ما زلنا في الانتصارات جوعى، وفي الانتكاسات صرعى ."
يحرث الغرفة جيئة وذهابا بقدمين مفعمتين باللاوصول. لقد تلخصت حياته في الصمود أمام الجوع وتقزّمت أحلامه لتسكن غرفة لها مذاق زنزانة تفاوض حزمة ضوء كي لا تستقيل .
ينمو في صدره حقد على أولئك الذين تجاوزوا أزماتهم بالكذب والخداع وبقي هو لا يتقدم بحسابات العصر.
"رأسي انتفخ بالكتب التي قرأتها لكن وزني لم يزد سطرا واحدا. الكلّ يتاجر بما اكتسبه ويلعب دورا أكبر من هدهد، فلم لا أنتعل نزقي وأتاجر بما في رأسي ؟"
أطلق لحيته وارتدى جلبابا فضفاضا وتخصص في قراءة الكف وسبر أغوار النجوم ومسارات الأبراج . تحوّل فمه إلى ورقة يانصيب مفتوحة على كل الاحتمالات وانطلق يأخذ من واقع المعدمين أحلاما مزعومة لتعديل الحظوظ وكشف الهموم ورفع البلايا.
ذاع صيته في بلدته . الزوجة تقنع زوجها والابنة تقنع أمها والخادمة تقنع مخدومتها، ووصلت شهرته إلى سيدات المجتمع وامتدت إلى ذوي النفوذ وأصحاب الجاه فتبادلوه كشريط فيديو منعته الرقابة على المصنفات.
قدمه أحد المتنفذين إلى حاكم البلد الذي يعاني صراعات الاتجاهات المغايرة في الحكومة ، الرجل قلق على منصبه ولا يتصور حياته في غير موقعه . راح يصبّ من واقع ما يعانيه في أذنه ويعده بالهدايا والأجر الجزيل إن تمكن من كشف المؤامرة التي تحاك ضده.
أسعفته البديهة…
" إن أول من يجب أن تلقيه في الشارع